الشوكاني

494

فتح القدير

ثم بينها سبحانه فقال ( نار الله الموقدة ) أي هي نار الله الموقدة بأمر الله سبحانه ، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم ، وكذلك في وصفها بالإيقاد : وسميت حطمة لأنها تحطم كل ما يلقى فيها وتهشمه ، ومنه : إنا حطمنا بالقضيب مصعبا * يوم كسرنا أنفه ليغضبا قيل : هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم ، وقيل الطبقة الثانية منها ، وقيل الطبقة الرابعة ( التي تطلع على الأفئدة ) أي يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها ، وخص الأفئدة مع كونها تغشى جميع أبدانهم لأنها محل العقائد الزائغة ، أو لكون الألم إذا وصل إليها مات صاحبها : أي إنهم في حال من يموت وهم لا يموتون . وقيل معنى ( تطلع على الأفئدة ) أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب ، وذلك بأمارات عرفها الله بها ( إنها عليهم مؤصدة ) أي مطبقة مغلقة كما تقدم بيانه في سورة البلد ، يقال أصدت الباب : إذا أغلقته ، ومنه قول قيس بن الرقيات : إن في القصر لو دخلنا غزالا * مصبيا موصدا عليه الحجاب ( في عمد ممددة ) في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم : أي كائنين في عمد ممددة موثقين فيها ، أو في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي هم في عمد ، أو صفة لمؤصدة : أي مؤصدة بعمد ممددة . قال مقاتل : أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح . ومعنى كون العمد ممددة : أنها مطولة ، وهي أرسخ من القصيرة . وقيل العمد أغلال في جهنم ، وقيل القيود . قال قتادة : المعنى هم في عمد يعذبون بها ، واختار هذا ابن جرير : قرأ الجمهور " في عمد " بفتح العين والميم . قيل هو اسم جمع لعمود . وقيل جمع له . قال الفراء : هي جمع لعمود كأديم وأدم . وقال أبو عبيدة : هي جمع عماد . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بضم العين والميم جمع عمود . قال الفراء : هما جمعان صحيحان لعمود . واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور . قال الجوهري : العمود عمود البيت ، وجمع القلة أعمدة ، وجمع الكثرة عمد وعمد ، وقرئ بهما . قال أبو عبيدة : العمود كل مستطيل من خشب أو حديد . وقد أخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ( ويل لكل همزة لمزة ) قال : هو المشاء بالنميمة ، المفرق بين الجمع ، المغرى بين الإخوان . وأخرج ابن جرير عنه ( ويل لكل همزة ) قال : طعان ( لمزة ) قال : مغتاب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا في قوله ( إنها عليهم مؤصدة ) قال : مطبقة ( في عمد ممددة ) قال : عمد من نار . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : هي الأدهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأبواب هي الممددة . وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم فشدت بها الأبواب .